قوميات تأكل بعضها البعض: مأساة الانقسام في جسد واحد
الكاتب رائد ننوايا
14 كانون الاول, 2025
إنّ ما يشهده مجتمعنا اليوم من تجاذبات وصراعات بين أبنائه، لا سيما بين من يفترض أن يوحدهم رابط التاريخ والدين والمصير المشترك، هو ظاهرة مؤلمة تستدعي وقفة تأمل حقيقية. العبارة القاسية "قوميات تأكل بعضها البعض" تختصر، للأسف، واقعاً نراه معيباً ومخجلاً: حيث يتحول الانتماء الفرعي إلى سيف يُشهر في وجه الأخ، ويُنسى الهدف الأسمى والهُوية الجامعة.
إن ما نشاهده باستمرار على مواقع التواصل الاجتماعي هو سلسلة من المشاحنات والمناكفات الحادة بين أبناء الهويات السريانية المتعددة، كالآشوريين والكلدانيين، لتصل هذه الخلافات حد التخوين والتنقص وإلغاء الآخر. يغرق هؤلاء في جدل عقيم حول الأسبقية التاريخية أو التسمية الأدق، ما يستنزف طاقاتهم الثمينة في صراع داخلي، بدلاً من توجيهها نحو البناء والمحافظة على وجودهم المشترك المهدد.
حالة فنية تكشف التصدع
في الآونة الأخيرة، وفي مشهد معيب ومؤسف يعكس تراجعاً في لغة الحوار ويطغى عليه الحقد، تعرضت الفنانة جولي يوسف لحملة ممنهجة من التسقيط والتهجم لمجرد طرحها فيديو كليب 'أخني ايوخ كلدايي'. إن للفنانة كامل الحرية في اختيار ما تغنيه، وما رأيناه من تعليقات غير لائقة وكلمات نابية، وقيام البعض بتنصيب أنفسهم قضاةً يصدرون أحكام الدينونة عليها وكأنهم آلهة يحاسبون ويدينون، هو أمر غير أخلاقي ومرفوض تماماً؛ إذ لا يكشف هذا السلوك سوى عن عقلية متخلفة وجهلٍ يرفض الاختلاف والجمال.
ضياع البوضلة : نسيان الهوية الجامعة
إن هذا التشرذم الداخلي لا يكمن خطره فقط في إضعاف القوة العددية للمجتمع، بل في فقدان البوصلة الأخلاقية والروحية. إن الآشوري والكلداني والسرياني (بكل فروعه) هم، في جوهرهم، جزء لا يتجزأ من جسد واحد: الجسد المسيحي.
لقد جاءت رسالة المسيح لتتجاوز الحدود القومية والعرقية؛ حيث لا فرق "بين يهودي ويوناني، ولا عبد وحر، ولا ذكر وأنثى"، بل الجميع واحد في المسيح. عندما يتحول الدفاع عن اسم أو تسمية إلى أولوية تعلو فوق مبادئ المحبة والسلام والتسامح المسيحي، نكون قد نسينا الماهية الحقيقية لوجودنا وإيماننا.
السؤال الذي يجب أن نطرحه هو: ماذا يعني أن تكون مسيحياً إذا كنا نطبق على بعضنا البعض أبشع صور الإقصاء والعداوة؟ إن الإيمان المسيحي هو دعوة للمحبة الجامعة والوحدة الروحية، والتهام بعضنا البعض بالكلمات الحادة والاتهامات الفارغة هو نقيض لهذه الدعوة.
نحو رؤية موحدة: البقاء لا الانقسام
إن التحديات التي تواجه هذه المجموعات التاريخية في الشرق الأوسط هي تحديات مصيرية وتتعلق بالبقاء:
• الهجرة المستمرة: التي تستنزف الطاقات والكوادر الشابة.
• التهميش السياسي: وغياب التمثيل الفعّال نتيجة الانقسام.
• الحفاظ على التراث: الذي بات مهدداً بالاندثار.
هذه التحديات لا تفرق بين "آشوري" و "كلداني"؛ فالخطر يهدد الجميع. إن الوقت قد حان لندرك أن التنوع في الأسماء والتاريخ هو مصدر إثراء وقوة، وليس سببًا للتناحر والضعف. يجب علينا جميعاً أن نتبنى رؤية موحدة تقوم على احترام الهويات الفرعية تحت مظلة الهوية المسيحية والوطنية الأكبر.
بدلاً من أن نأكل بعضنا البعض، يجب أن نتشارك الطاولة: لنتحاور، لنتعاون، ولنبني مستقبلاً لا يُنسى فيه التاريخ، ولكن لا يُستخدم فيه الانتماء لتمزيق النسيج الاجتماعي. إن الوحدة ليست إلغاءً للفوارق، بل هي قوة تُبنى عليها جسور التفاهم والمحبة، تذكيراً بأننا أولاً وأخيراً، مسيحيون يحملون رسالة السلام للعالم.